ابن تغري

130

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

يعقب هذا الريح والثلج أمطار كالبحار ، وتيمور مع ذلك لا يرق لأحد ولا يبالي بما نزل بالناس ، بل يجد في السير ، هذا والدروب قد تعطلت من شدة البرد الخارج عن الحد . فما وصل تيمور إلى مدينة أترار حتى هلك خلق من قوة سيره ، وأمر تيمور أن يستقطر له الخمر حتى يستعمله بأدوية حارة وأفاوية لدفع البرد وتقوية الحرارة ، فعمل له ما أراد من ذلك ، فشرع يتناوله ولا يسأل عن أخبار عساكره وما هم فيه إلى أن أثرت حرارة ذلك العرق المستقطر من الخمر ، وأخذت في إحراق كبده وأمعائه ، فالتهبت مزاجه حتى ضعف بدنه وهو يتجلد ويسير السير السريع ، وأطباؤه يعالجونه بتدبير مزاجه إلى أن صاروا يضعون الثلج على بطنه لعظم ما به من التلهب ، وهو مطروح مدة ثلاثة أيام ، فتلفت كبده ، وصار يضطرب ولونه يحمر ، ونساؤه وذووه في صراخ إلى أن هلك ، وعجل اللّه بروحه إلى النار ، وبئس القرار - لعنه اللّه - في يوم الأربعاء تاسع عشر شعبان سنة سبع وثمانمائة ، وهو نازل بضواحى أترار ، وأترار بالقرب من أهنكران ، « ومعنى أهنكران بالغة العربية الحدادين ، فآهنكر يعنى حداد وأهنكران « 1 » » جمع حدادين ، فلبسوا عليه المسوح وناحوا عليه . ومات تيمور - لعنه اللّه - ولم يكن معه من أولاده أحد سوى حفيده سلطان خليل بن أميران شاه بن تيمور ، وسلطان حسين بن أخته ، فأرادا كتمان موته ، فلم يخف على الناس ، وملك خليل المذكور خزائن جده ، وبذل الأموال وتسلطن ، وعاد إلى سمرقند برمة جدة تيمور لنك - لعنه اللّه - فخرج الناس

--> ( 1 ) « » ساقط من ط ، ن .